-

الرئيسيةمكتبة الصورس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

تم النشر بقلم :محمـود:22/11/11, 02:39 pm - -

 المشاركة رقم: #1
الاداره
تواصل معى
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.layalyeg.com
بيانات اضافيه [+]
 الجنس : ذكر
 عدد الرسائل : 8014
 العمر : 39
 نقاط : 528076
 تاريخ التسجيل : 21/03/2008
 رأيك في العضو/هـ : 15
لوني المفضل : Tomato
واحد من الميدان
فى الطريق الى
ميدان التحرير ، ادرت مذياع السيارة للاستماع الى القرآن لعله يزيح بعضا من
كرب اللحظة ، حزن ثقيل جاثم على النفس ، تكاد تحس بثقله فوق ظهرك ، خمسة و
ثلاثون شهيدا يقتلون بدم بارد فى يومين ، على أيدى الشرطة و الجيش
المصريين ، كانت اول آية بصوت الشيخ مشالى "ربنا عليك توكلنا و اليك أنبنا و اليك المصير"
، لم أستطع ان أتمالك أعصابى ، انفجرت فى البكاء و مقود السيارة فى يداى ،
و تحول البكاء الى نواح ، حزن ثلاثة ايام من أخبار سفك دم البشر فى
الشوارع خرج و انفجر فى لحظة.

قررت الذهاب الى
مشرحة زينهم بعد علمى بازدحام التحرير، و الحاجة للجموع عند المشرحة
للتضامن مع أهالى الشهداء ضد ضغط أجهزة الأمن ، و الرغبة العتيدة فى تزوير
تقارير الدفن ، لم أتردد ، لاقت الدعوة هوى فى نفسى ، كنت أود الاقتراب من
هؤلاء الشهداء و من موتهم ، كنت أود ان أعرفهم أكثر، يقتلنى تأنيب الضمير
لانهم ضحوا و ماتوا من أجلنا نحن ، نحن الأحياء.

عند
مدخل المشرحة اللون الاسود فى كل مكان، و رائحة الموت فى الهواء ، على عكس
ماتوقعت ، لم اجد نواحا أو صريخا ، دائما ما تعجبت من هذا الثبات و
الصبر الذى يلهمه الله لأهل الفقيد ، فى صبرهم و قبولهم لقضاء الله ، يصطف
أهالى الشهداء حول مدخل المشرحة ، ينتظرون وكيل النيابة لمعاينة الجثامين
كى يصرح لهم بدفن اولادهم ، لماذا كل اهالى الشهداء فقراء؟ تذكرت مقال علاء
سيف المسجون حاليا لأنه لم يعترف بالتحقيق أمام النيابة العسكرية ، هل لأن
الفقراء هم من تصدّروا المعارك فى هذه الثورة؟ الواقع ان هؤلاء هم من
رفعوا الثورة المصرية و كانوا قوة الدفع لها ، شباب الأحياء الشعبية هم من
تصدوا يوم الغضب ويوم الجمل ، هم من أمّنوا الميدان ، و هم من لا يزالون
يسقطون حتى الآن فى محمد محمود ، تذكرت حكاية الرجل الفقير الذى همس فى اذن
متظاهرة على خط المواجهة "بلاش انتى يا بنتى ، شكلك بنت ناس و متعلمة، سيبونا احنا نموت عشان تبنوا البلد انتو بعدين" ،
عن الشباب يوم موقعة الجمل الذين كانوا يختارون من يبدو عليهم الرخاء كى
يدخلوهم عمر مكرم لحمايتهم بينما هم يتولون المواجهة ، هؤلاء هم الملقبون
بالبلطجية الآن ، هم من يحاكمون أمام المحاكم العسكرية لأتفه الأسباب ،
هؤلاء هم من يقال عنهم "ده شكل واحد عايز حرية؟"، "فين شباب 25 الطاهر؟" "شوية عيال كده شكلهم صيع ولا ليهم فى السياسة و لا بتاع" ، تذكرت قائد الألتراس الذى رأيته فى الميدان فى اليوم السابق ، كانوا يهتفون فى حب مصر "مصر يا أم، ولادك أهم، يفدوكى بالروح و الدم" ،
كان القائد بكل حماس ينظم هتاف الجموع بين الاجنحة اليسرى و اليمنى ، نفس
الملامح ، البشرة السمراء ، الوجه الشاحب من ضعف الغذاء ، النحافة ، الشعر
اللامع جراء دهنه بالصابون ، الملابس البسيطة ، تعجبت كيف يقود بهذا
الحماس و كثير منا يملك انطباعا عن هذا الشباب بانه صايع و مبرشم! قد يكون حقا "مبرشم" و قد يكون فعلا "صايع" ،
هذه مفردات الحياة فى الأحياء الشعبية ، مقومات البقاء ، و نتاج البطالة و
الفقر، لكنه يحب هذا البلد ، و لا أعلم لماذا ، ماذا أعطته كى يحبها كل
هذا الحب ، أعطاها التضحية و الهتاف ، و أعطته هى لقب "بلطجى" ، اتساءل الآن اذا كان هذا الشاب على قيد الحياة ، ام يحتل درجا من الأدراج.

الحيرة
بجانب الحزن هى سيد المكان ، نسوة تتشحن بالسواد ، بعضهن يستندن على
الحائط يبكين فى صمت ، رجال يتكلمون عن الرصاص الحى الذى وجدوه فى أجساد
ذويهم ، كلام عن أنهم "بصّموا" الجثامين لاختلاق صحيفة سوابق لهم و الادعاء
بأنهم بلطجية ، كلام عن أن الثلاجات مليئة على آخرها ، و أن موظف المشرحة
يدعى أن عدد الجثامين ستة و عشرون فقط ، بينما هناك آخرون ملقون على ارض
المشرحة ، عن التقارير ذات الأسامى الخاطئة عن عمد لتضليل النيابة ، عن
الجثمان الذى ذهب و عاد أربع مرات بين المشرحة و المستشفى لأن التقرير
يحتوى الاسم الخطأ ، عن الأربع ساعات التى مضت ولم يأت وكيل النيابة ، عن
الثلاجات المعطلة والجثامين التى بدأت فى التحلل ، مضى على مصرعهم يومان ،
ولا زالوا ينتظرون تكريمهم الذى لم ينالوه فى حياتهم ، ولن ينالوه بعد
موتهم ، فقط يكرمون بدفنهم.

بجانب كل هذا كان
هناك الآخرون الأيسر حالا ، اما ناشطون اتوا لمساندة اهالى الشهداء او
صحفيون أتوا لتوثيق ما يحدث ، يوقظك من كل هذا قدوم سيارة نقل الموتى ،
تنقل شهيدا جديدا من الميدان ، يخرجون الصندوق من السيارة ، سرحت وأنا
أشاهد الصندوق و هو يسحب من خلف العربة البيضاء ، كل شيء انتهى ، بكل سهولة
، قرر نقيب او ملازم فى الجيش او الشرطة انهاء حياة هذا الشاب الذى لا
اعرفه ، قرروا قتله بالخرطوش او الرصاص الحى ، قرروا تطبيق حكم الاعدام
الذى اصدروه عليه فى الشارع ، بدم بارد، راحت كل الاحلام، لم يعد لكل
مقتنيات الشهيد اى معنى ، سيظل والده ينظر الى غرفته طوال السنين القادمة،
هل سيكون قد اقتص من قاتله؟ ، لم يعد لتلك الملابس فى الدولاب اى استخدام ،
لقد ذهب ، لم يعد لدفتر التوفير ذو الرصيد البسيط أى معنى ، كان يريد ان
يساعده فى شراء الشبكة عند زواجه ، ابنه ذوالتسعة عشر حلما ذهب ، لأنه كان
يريد ان يعيش حلمه الأكبر ، ببلد يستطيع ان يشعر فيه بكبريائه ، مثله مثل
الغنى ، أن يمشى رافعا رأسه لا يهاب شرطة أو جيش ، تذكرت الفيديو الخاص
بقنص عيون المتظاهرين ، يظهر فيه الضابط الصغير و كأنه ذو مرض نفسى ، بكل
تركيز يخترق صفوف العساكر، يوجه البندقية ، و يظلم الى الأبد عين شاب
يطالب بحريته ، يعود الى الصفوف الخلفية بكل تركيز، بعد ان أدى مهمته ، و
بعد ان تلقى التهنئة من زميله على تسديده ، تذكرت كل فيديوهات الثورة التى
ظهر فيها اصطياد المتظاهرين كالعصافير، كأنها هواية صيد الارواح ، تذكرت
عشرة شهور مرت ، و لم يعاقب اى من هؤلاء ، تذكرت عشر شهور مرت و لم نجد ايا
من القناصة ، ياااااه اد كده البنى آدم رخيص فى بلدنا ، و يا سلام لو كان
غلبان.

استيقظت من أفكارى على صوت سيارة
الاسعاف و هى تأتى بشهيد آخر ، كان أهله و اصدقاؤه يعلمون بقدومه و فى
انتظاره ، بعد خروج الجثمان بثوان سمعت صوت بكاء خفيض ، وجدت شابا فى نفس
عمر الشهداء ، واقفا يبكى فى حالة انهيار، بجانبه صديقه يحاول ان يعزيه
ويهدىء من روعه ، سألتهم "انتوا اصحابه؟"، رد
على بالايجاب ، بينما الآخر مستمر فى البكاء ، حاولت مواساته “خلاص يا عم ،
احمد ربنا انه مات شهيد، العمر لا بيطول و لا بيقصر، مش احسن من لو كان
مات فى حادثة عربية؟" ، يرد على بهز رأسه بينما يستمر فى
البكاء ، حاولت ان اربت على ظهره ، هو ليس معنا ، هو مستمر فى البكاء ، بعد
مرور بضع دقائق ، قال و هو يبكى "انا كنت شايفه امبارح و انا رايح النادى..."

تذكرتنى
و انا فى مثل هذا الموقف منذ ثمان سنوات ، كان صديق لنا قد توفى من
السرطان فور تخرجنا ، وقت الآمال و الطموحات والأحلام ، دخلت فى موجة
انهيار عصبى و بكاء مباشرة بعد دفنه ، كانوا يواسوننى مثلما أواسى أنا الآن
هذا الشاب المكلوم ، المرض هو من أخذ صديقى ، لكنها الآن يد الغدر و
الطغيان ، لا نستطيع أن نقتص من المرض، لكن هؤلاء سيحاسبوا...سيحاسبوا.

لم
استطع ان افعل شيئا للشاب المكلوم ، تركته مع صديقه باحثا عن زملائى ، او
عن زميلاتى اللاتى لم يترددن فى القدوم الى المشرحة للوقوف بجانب الضحايا ( مين قال ان ستات مصر أجدع من رجالتها؟) ، وجدت الأهالى ينظرون الينا ، يظنونا صحفيين ، "مش
انتوا صحفيين ، ادخلوا صوّروا عشان تعرّفوا كل الناس باللى حصل ، باولادنا
اللى اتقتلوا بالرصاص الحى ، التليفزيون اللى بيقول عليهم بلطجية ، مش
عايزين حقهم يضيع" ، وقعت فى حيرة من امرى ، هم يرون فينا
منقذين لهم ، فقط لبشرتنا الصافية و ملابسنا المهندمة، يعلمون مثلما نعلم
جميعا أن الفقير فى هذا البلد حقه لا ينظر اليه ، وكلما ارتقيت بين الناس
كلما استطعت الحصول على بعض من حقك ، غير ذلك ، تسحق قى آلة الطغيان
المصرية العتيدة ، قلت هامسا "أنا مش صحفى" ، ردّ على الرجل "امال جايين تعملوا ايه؟" ، "نقف مع الناس و نساعدهم" ،
احتار الرجل ، و قتها و جدت الصحفية و قد دخلت معهم ودخلنا وراءهم جميعا
تحت ضغط الناس ، الذين يرون فينا أمل الحصول على حق ابنائهم ، دخلنا
المشرحة ، دخلنا غرفة ادراج الموتى.

أخيرا نفذ
الصبر ، وجدت رجلا ملتحيا واقفا امام ثلاجة ابنه ، يصرخ فى توتر و يرفض
التصوير ، طمأنته باننا سنصور فقط من يريد ، والد آخر خرج من صبره و
احتماله ، انفجر، انفجر الشيخ ذو الجلبية و الشال “تعالوا صوّروا ،
تعالوووا ، قتلوا ابنى ، قتلوه بالطلق الروسى ، كلنا عارفينه ، افتح ، انا
عايز كله يعرف القتالين ولاد الكلب” ، و بدأ فى اللطم على وجهه ، اخترقت
الصحفية و المصورة الجموع الى درج الجثمان ، ثوان و عدن باكيات العيون ،
انطلقوا جميعا الى خارج المشرحة ، ذهبت ورائهم كى اخبرهم انى مستعد للتصوير
ان كانوا لا يقدرون على الاستمرار ، الحقيقة انى كنت اود ان أراهم ، كنت
أود ان أرى الشباب النضر، أردت ان أرى من يلاحقونى فى يقظتى و منامى ، لكن
الله لم يرد ذلك ، كانوا قد اكتفوا بما صوروه ، دقائق و اندلعت مشاجرة بين
شاب يرفض تصوير والده (هناك كبار السن ايضا من شهداء التحرير) و
الباقين الذين يودون فى استمراره ، لم يكن هناك أى سبب للشجار ، لكن
التوتر و ضغط الموقف جعل الناس يخرجون كبتهم فى بعضهم ، مثلما يحدث بيننا
جميعا كل يوم.

قابلت زميلتى و قد دخلت الثلاجة
المجاورة، اخبرتنى ان الثلاجة معطلة و ان الجثامين كلها لشباب صغير لا
يتعدى العشرين ، و أن الجثث بدأت فى التحلل ، يا الله ، ما هذه البلد ،
خسارة فى الميت أن يحتفظ بجسده حتى يدفن؟ يلقى فى ثلاجة معطلة فى انتظار
البيه وكيل النيابة ، ممثل السلطة المصرية ، كى يصرح للميت بأنه مات؟ آلة
الطغيان المصرية لا ترحم فقيرا ، حيا أو ميتا.

انتهت
المهمة و انصرفنا، الحقيقة اننا لم نفعل شيئا ، قد نكون وقفنا بجانبهم
قليلا ، أو وقفنا بجوار الصحفيين ضد من يؤلبون الأهالى عليهم ، لكن وجودنا
لم يكن مهما ، ولكننا حمّلنا أمانة ، أخبرونا أننا يجب ان نخبر العالم و كل
الناس عما حدث لأبنائهم ، عن الرصاص الحى ، عن تليفزيون الدولة الذى يعتبر
ابنائهم بلطجية ، عن الصحف التى تكذب لأنهم غلابة ، لهذا كتبت هذه المقالة
، فقط لتعلموا ، و لتعلموا غيركم ، اننا بعد عشرة أشهر من الثورة ، البنى
آدم زى ما هو، لسة رخيص ، ويا سلام لو كان غلبان.

اقتلوا مهما قتلتم ، لن تهزمونا ، غدا سيكون بجانبنا صديقه الذى "رآه وهو رايح النادى" ،
نحن كثير لا ينتهى ، نحن من رأينا معجزات رب العالمين تتحقق أمامنا ولم
نكتف بقراءتها فى كتبه ، رأينا مبارك فى القفص هو وابنه ، أخرجناهم من
السلطة و السلطان ، جعلنا مصدر فخرهم فى اقامتهم فى غرفة مستششفى أو زنزانة
مريحة ، نحن من رأينا القذافى ، ملك الملوك يسحل فى شوارع طرابلس ، نحن من
رفضنا الاعتراف بالمحاكمة العسكرية ، رغم لمعان النجوم و النسور النحاسية ،
نحن من نقف امام المدرعات ، نتسلق الأبراج ، و نواجه الحى و المطاطى ، نحن
رهاف القلوب ، من ندمع لجرح البشر و ظلمهم ، تأكدوا انكم لن تهزمونا ،
نعلم أن العمر مكتوب ، واننا لن نقدر على أن نهنأ بالعيش ان خذلنا رفقائنا
الذين سبقونا ، احذرونا ، انما هى أيام أو شهور، دفعنا و ندفع ضريبة الدم ،
و متيقنون من نصر الله لنا ، و أنه آت ذلك اليوم الذى ستكون فيه كرامة أى
مصرى فوق رقبة أى حاكم.


تم النشر بقلم :محمـود22/11/11, 02:39 pm    

تعليقات القراء



الموضوع الأصلي : واحد من الميدان // المصدر : منتديات ليالى مصرية // الكاتب: محمـود
توقيع : محمـود






الإشارات المرجعية



الــرد الســـريـع

رفع الصور رفع فيديو أغانى فوتوشوب ترجمة رموز الكتابة ردود جاهزة صندوق متطور



مواضيع ذات صلة



تعليمات المشاركة
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة